النويري
84
نهاية الأرب في فنون الأدب
ومما قيل في استراحة الرجل بمكنون سرّه إلى صديقه - قال اللَّه تعالى : * ( لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ ) * . وقالت الحكماء : لكل سرّ مستودع . قال بعض الشعراء : وأبثثت عمرا بعض ما في جوانحي وجرّعته من مرّ ما أتجرّع فلا بدّ من شكوى إلى ذي حفيظة [ 1 ] إذا جعلت أسرار نفسي تطلَّع وقال حبيب : شكوت وما الشكوى لمثلى عادة ولكن تفيض الكأس [ 2 ] عند امتلائها وقال أبو الحسن بن محمد البصرىّ : تعب الهوى بمعالمى ورسومى ودفنت حيّا تحت ردم همومي وشكوت همّى حين ضقت ، ومن شكا همّا يضيق به فغير ملوم ومما وصف به كتمان السرّ - قيل : أسرّ رجل إلى صديق له حديثا ، فلما استقصاه قال : أفهمت ؟ قال : بل نسيت . وقيل لآخر : كيف كتمانك للسرّ ؟ فقال : أجحد المخبر ، وأحلف للمستخبر . ومن جيّد ما قيل في كتمان السرّ قول الأوّل : تلاقت حيازيمى على قلب حازم كتوم لما ضمّت عليه أضالعه [ 3 ] أؤاخى رجالا لست أطلع بعضهم على سرّ بعض ، إنّ قلبي واسعه
--> [ 1 ] الحفيظة : اسم من المحافظة والحفاظ . [ 2 ] - هذه هي الرواية المشهورة في البيت ، وفى الأصل « تفيض النفس » . [ 3 ] في الأصل : « أصابعه » والسياق يقتضى ما وضعنا .